ابن أبي الحديد
99
شرح نهج البلاغة
وخامسها قوله : " المرء أحفظ لسره " أي الأولى ألا تبوح بسرك إلى أحد ، فأنت أحفظ له من غيرك ، فإن أذعته فانتشر فلا تلم إلا نفسك ، لأنك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك ، فغيرك عن حفظ سرك وهو أجنبي أعجز ، قال الشاعر : إذا ضاق صدر المرء عن حفظ سره * فصدر الذي يستودع السر أضيق وسادسها : " قوله رب ساع فيما يضره " ، قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبى مسلم : لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا . وسابعها قوله : " من أكثر أهجر " ، يقال : أهجر الرجل ، إذا أفحش في المنطق السوء والخنا ، قال الشماخ : كماجدة الأعراق قال ابن ضرة * عليها كلاما جار فيه وأهجرا ( 1 ) وهذا مثل قولهم : من كثر كلامه كثر سقطه . وقالوا أيضا قلما سلم مكثار ، أو أمن من عثار . وثامنها قوله : " من تفكر أبصر " ، قالت الحكماء : الفكر تحديق العقل نحو المعقول ، كما أن النظر البصري تحديق البصر نحو المحسوس ، وكما أن من حدق نحو المبصر وحدقته صحيحة والموانع مرتفعة لا بد أن يبصره ، كذلك من نظر بعين عقلة ، وأفكر فكرا صحيحا ، لا بد أن يدرك الامر الذي فكر فيه ويناله . وتاسعها قوله : " قارن أهل الخير تكن معهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم " ، كان يقال : حاجبك وجهك ، وكاتبك لسانك ، وجليسك كلك . وقال الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن مقتد
--> ( 1 ) ديوانه 28 ، وروايته : " ممجدة الأعراق " . وابن ضرتها : ابن زوجها .